الشيخ محمد رشيد رضا
440
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والآية متممة لبيان وظائف الرسول من الجبة السلبية إذ صرح فيها بأنه ( ص ) لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم بعد ان صرح بأنه لا يملك التصرف في الكون ولا يعلم الغيب وبأنه ليس ملكا . وليس الغرض منها التشديد في تنفير النبي ( ص ) عن طرد المؤمنين لأنه كان رضي بذلك كما زعم بعض المفسرين ، وحاشاه ( ص ) ان يرضى بذلك أو يميل اليه بعد ان عاتبه ربه على الاعراض والتلهي عن الأعمى ( عبد اللّه بن أم مكتوم ) لما جاءه يطلب العلم والهدى منه وهو ( ص ) متصد لدعوة بعض كبراء قريش طامع في هدايتهم وخاف أن يفوته ذلك باقباله على ذلك الأعمى الفقير ، كما هو مبين في أول سورة ( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) والمروي أنها نزلت قبل سورة الأنعام ، وقد اغتر من زعم ذلك برواية منكرة باطلة ، وهي ما رواه ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل وغيرهم عن خباب قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول اللّه ( ص ) مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي ( ص ) حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا نريد ان تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فان وفود العرب تأتيك فنستحي ان ترانا العرب مع هذه الاعبد فان نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم ان شئت . قال « نعم » قالوا اكتب لنا عليك كتابا ، قال فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل فقال ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) الآية . فرمى رسول اللّه ( ص ) الصحيفة ثم دعانا فأتيناه . قال الحافظ ابن كثير بعد ايراده بسنده عند ابن أبي حاتم : ورواه ابن جرير من حديث أسباط به ، وهذا حديث غريب فان هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة انما اسلما بعد الهجرة بدهر ، اه وأقول إن هذه الرواية باطلة من وجوه منها ما ذكره الحافظ ابن كثير من تأخر اسلام الأقرع وعيينة . وظاهر ما في الإصابة أن الأقرع بن حابس اسلم قبيل فتح مكة وصرح الحافظ الذهبي بأنه أسلم بعد الفتح ويؤيده ما في السير . وأما عيينة فقد أسلم سنة خمس . ولم يعرف الرجلان النبي ( ص ) قبل اسلامهما ولم يكونا من اشراف مكة بل كانا من جفاة الاعراب ولما أسلما كانا من صنف المؤلفة قلوبهم ، ومنها انهما ذكرا قدوم الوفود